الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
296
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هذا ما أراه في معنى الجواب . وقال المفسّرون : جملة الجزاء تحريض على العفو ببيان أنّ فيه تخلّفا بالكمال ، لأنّ صفات اللّه غاية الكمالات . والتقدير : إن تبدو خيرا إلخ تكونوا متخلّقين بصفات اللّه ، فإنّ اللّه كان عفوّا قديرا ، وهذا التقدير لا يناسب إلّا قوله : أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ولا يناسب قوله : إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ إلّا إذا خصّص ذلك بإبداء الخير لمن ظلمهم ، وإخفائه عمّن ظلمهم . وفي الحديث « أن تعفو عمّن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك » . [ 150 - 152 ] [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 150 إلى 152 ] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ( 150 ) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ( 151 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 152 ) عادة القرآن عند التعرّض إلى أحوال من أظهروا النّواء للمسلمين أن ينتقل من صفات المنافقين ، أو أهل الكتاب ، أو المشركين إلى صفات الآخرين ، فالمراد من الذين يكفرون باللّه ورسله هنا هم اليهود والنصارى ، قاله أهل التفسير . والأظهر أنّ المراد به اليهود خاصّة لأنّهم المختلطون بالمسلمين والمنافقين ، وكان كثير من المنافقين يهودا وعبّر عنهم بطريق الموصول دون الاسم لما في الصلة من الإيماء إلى وجه الخير ، ومن شناعة صنيعهم ليناسب الإخبار عنهم باسم الإشارة بعد ذلك . وجمع الرسل لأنّ اليهود كفروا بعيسى ومحمد - عليهما السلام - ، والنصارى كفروا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، فجمع الرسل باعتبار مجموع الكفّار ، أو أراد بالجمع الاثنين ، أو أراد بالإضافة معنى الجنس فاستوى فيه صيغة الإفراد والجمع ، لأنّ المقصود ذمّ من هذه صفتهم بدون تعيين فريق ، وطريق العرب في مثل هذا أن يعبّروا بصيغة الجموع وإن كان المعرّض به واحدا كقوله تعالى : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ [ النساء : 54 ] وقوله : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [ النساء : 37 ] يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا [ المائدة : 44 ] وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما بال أقوام يشترطون شروطا » . وجيء بالمضارع هنا للدلالة على أنّ هذا أمر متجدّد فيهم مستمرّ ، لأنّهم لو كفروا في الماضي ثم رجعوا لما كانوا أحرياء بالذمّ . ومعنى كفرهم باللّه : أنّهم لمّا آمنوا به ووصفوه بصفات غير صفاته من التجسيم